محمد بن محمد ابو شهبة
450
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : والذي بعثك بالحق نبيّا لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا « 1 » ، فبايعنا يا رسول اللّه ، فنحن - واللّه - أبناء الحروب ، وأهل الحلقة « 2 » ورثناها كابرا عن كابر ، وكانت وصاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لهم أن يوجزوا في القول ، فقد روى البيهقي أنه قال : « ليتكلم متكلمكم ولا يطل الخطبة فإن عليكم من المشركين عينا ، وإن يعلموا بكم يفضحوكم » . وإنه لتوجيه كريم يدل على بعد النظر ، وأصالة الرأي ، وحسن التدبير في هذا الاجتماع الخطير . مقالة أبي الهيثم بن التّيّهان ولما فرغ البراء بن معرور من مقالته قام أبو الهيثم بن التيهان فقال : يا رسول اللّه ، إن بيننا وبين الرجال حبالا « 3 » إنا قاطعوها ، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال : « بل الدم الدم والهدم الهدم « 4 » ، أنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم » وقد وفى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بما قال بل وبأكثر مما قال ، فقد عرف للأنصار فضلهم وسابقتهم ، وأوصى بهم خيرا . مقالة أسعد بن زرارة وكان ممن تكلم أيضا السيد الجليل أسعد بن زرارة فقال : سل يا محمد
--> ( 1 ) جمع إزار ، أي نساءنا ، والمرأة قد يكنى عنها بالإزار لأنها تحمى كما يحمى الإزار ، أو المراد أنفسنا ، وقد يعبر عن النفس بالإزار والثوب ، ففي الكتاب الكريم : وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال بعض المفسرين : ونفسك فطهر ، وقال عنترة العبسي : فشككت بالرمح الأصمّ ثيابه * ليس الكريم على القنا بمحرّم أي نفسه وذاته . فيجوز أن يراد به أيّ المعنيين . ( 2 ) السلاح . ( 3 ) عهودا والمراد ما كان بينهم وبين اليهود بالمدينة . ( 4 ) كانت العرب تقولها عند عقد الحلف والجوار ، أي ما هدمت من الدماء هدمت أنا أي أهدرت ، وفسر ابن عباس الهدم بالحرمة يعني ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم ، فالعبارة تفيد المبالغة في الوفاء بالعهد .